الشطرة كوم

تتسع لكل العراق وتنطلق من الشطرة
تهتم بهموم الوطن وفعالياته بصورة عامة
وهموم وفعاليات الشطرة وآمال وانجازات مبدعيها

موقع يهتم بالعراق ومدينة الشطرة بشكل خاص

موقع يهتم بالعراق ومدينة الشطرة بشكل خاص
راسلونا على alshatrahcom@yahoo.com

الأحد، 22 مايو، 2011

سلسلة شطريون..... زامل سعيد فتاح.




image 


شكل الشاعر زامل سعيد فتاح بتجربته الزاخرة بالالتماعات الابداعية، علامة فارقة في الاغنية العراقية، ولانبالغ اذا قلنا انه اصبح ظاهرة في كتابة القصيدة الغنائية على مدى عقد السبعينيات من القرن الماضي،
 وعندما نتصفح الاغنية العراقية في هذه الفترة، نجده وبجدارة قد وطن نفسه كابرز فرسان الاغنية تصعب منافسته ومجاراته لما تجود به قريحته المنفتحة على العطاء الشعري المتفاعل بايجابية مع الطبيعة والحياة واستلهامات مشاهداته وكأنه رسام حاذق انشد الى مناظر الحياة الانسانية ليعيد صياغتها بلوحات غاية في الروعة من خلال الرسم بالكلمات، وهو بذلك يقترب من تجربة الموسيقار سيد درويش، الذي يصوغ الحانه من مفردات واغاني يلتقطها من افواه العمال والشغيلة واصحاب المهن المختلفة لذلك جاءت اغانيه والحانه منسجمة بعفوية وتلقائية من افكار وذائقة الناس.
.وعندما نمعن النظر في شعر زامل نلمس تضميناته التي لاتخلو اية قصيدة من مفردات الطبيعة والتشكلات البيئية وانواع الفواكه واستنطاق الواقع، على نحو مثير للدهشة وبطريقة السهل الممتنع التي يتقن لعبتها باحترافية عالية، فيحاكي الخوخ والهور والنخيل ودجلة والفرات والغراف والمدن ويعاتب المكير والزمن وسنوات الضياع ويغازل الورود وعيون الحسناوات.. ورغم عمره القصير المتخم بالآهات والاوجاع والجوع والانتظار والاحلام، فان زامل ينسج من احزانه مناديل عشق تكفكف دموع العاشقين والمحرومين بتلك القصائد التي تعطر جوانح الفؤاد فتزيده القا وتوهجا بفيوضات الوجد ومشاعر الحب والذكريات.
رحيل غامض
ولد زامل في محافظة الناصرية في قضاء الشطرة عام 1941 وتوفي عام 1983 بحادث سيارة بعد خروجه من نادي اتحاد الادباء في بغداد ثملا والمفارقة الغريبة التي اودت بحياته، انه الوحيد من الذين يستقلون السيارة توفي وكان بمعية المخرج نبيل ابراهيم الذي كان يقود السيارة التي سرعان ما اصطدمت بسيارة اخرى، مثلما يذكر الكاتب راضي المترفي في بحثه القيم المنشور في مجلة القيثارة في عددها الخامس عشر ويقول “انكفأ فجأة ومن غير مقدمات بحادث مروري مثل كثير من الحوادث التي تبدو كحوادث طبيعية ولكنها تأخذ المعارضين للسلطة ما يضفي عليه شيء من الغموض ويثير حوله الشبهات ويجعل المرء في حيرة من امره، فالشاعر كان. يبدو وكانه يعيش شهر عسل مع السلطة ويموت على طريقة معارضيها “. ليبقى فاجعة رحيل زامل واحدة من الحوادث التي يلفها الغموض بعد ان توارى اهم شهود الحادثة، ويحلنا الكاتب المترفي الى قصيدة (سعود) التي قرأها في احد الموتمرات في السبعينيات وكان حينها محسوباً على اليسار وتقول بعض ابياتها المحرضة على التمرد والعنف الثوري:
افه يسعود جاوينك..
زرزور وتعله اعليك
وندل كل مجامينك
جيلات الحرامية فشكهن شد
وانته البرنو الترعد
على ركاب العدو تنحد ..
قصيدة (سعود) تكشف على نحو واضح قطيعته الفكرية مع السلطة ورفضه السياسي للنظام القائم بدخيلة تفضح اسراره في العلن بدعوة على ممارسة العنف الثوري، باستصغار رجالات السلطة ونعتها بالزرازير.. اغلب الباحثين في اسباب وبواطن الجريمة لايستغنون عن المقدمات والبدايات التي ادت الى النتيجة والنهاية الحتمية وهي القتل، ويبقى شاعر مثل زامل سعيد فتاح شخصية مثيرة للجدل في حياته وبعد مماته تحتاج الى البحث المسؤول عن الحقيقة الخالصة وليس مداراً للاثارة ومشاكسة الواقع، لاسيما انه ابن الجنوب في منطقة قلقة فكريا مقلقة لنظام البعث انذاك وهي مدينة الشطرة التي كانت تسمى بموسكو العراق، لفطر المنتمين لتيار الحزب الشيوعي في فترة السبعينيات، ومن غير الممكن ان لا يتأثر شاعر بمستوى شاعرية وحساسية زامل بافكار ابناء مدينته وينفعل لطروحاتهم.

العاطفة الوطنية

لعل ابرز ما يميز شعر زامل هو امتزاجه الصادق وغير المفتعل لعاطفة الحب توجيها نحو مغازلة ربوع الوطن، فالوطن يتخذ وجه الحبيبة في قصائده ويصبح الاثنان وجهين لعملة واحدة، يلبس الوطن والحبيبة هالة من القدسية والطهارة، فعاطفة الحب الصادق ترتقي بالعاشق الى مراتب السمو والتجلي ليرى الجمال والطبيعة والحياة بألوان التفاؤل والانتماء الى دائرة الوجود الانساني، فيتحول العاشق (الشاعر) الى مفوض سام باسم الجمال والعاشقين والفقراء والحالمين.. وهذه الصورة نجدها في اغنية”حاسبينك”:
انت روحي.. روحي جم حب تدري بيه
حبه للكاع وغرسه ومايه ومن مشه عليه
ايضا يؤكد زامل ثنائية التجانس بين الاغنية العاطفية والوطنية في التعبير عن المشاعر على نحو مترف جماليا في اغنية”هذا آنه وهذاك انت” في المقطع الذي يقول:
هواك انت يذكرني بفرات ودجلة يوميه
مثل كلبي ومثل كلبك تلاكن صافيه النيه
وفي مقطع اخر يقول:
شفت دجله وفي مثلك يفيض بخير الي ولجلك ..
وهنا نلمس شفافية زامل وحواريته مع الطبيعة وهو يحول نهري دجلة والفرات الى كائن حي يشعر ويتحسس حركة العاشقين ويستمع لهمسات المحبين ونجواهم وشاهد على تلك الامسيات وحافظ لذكريات واسرأر المحبين.
هوى العراق يسري في عروق الشاعر الراحل فلا يستطيع كتمان ذلك الهوى فتبوح قصائده بأجمل استلهامات الحب، بل ان ربط الغناء العاطفي بالوطني، حفز الملحن الكبير طالب القره غولي لان يصوغ جمله اللحنية لتزيد وهج الكلمة في التعبير عن مكنونها الحسي بمخاطبة غنائية بذات الوتيرة من الصدق والرقي، نتجت عنها الكثير من الروائع الغنائية مثل”جذاب” واغنية”حاسبينك”واغنية” العب ياشوك” وأغنية” تكبر فرحتي بعيني”وأغنية”شكول عليك”التي لحنها الفنان محسن فرحان واغنية”هذا آنه وهذاك انت”وغيرها من الاغاني.. فشكل زامل مع القره غولي ثنائيا ابداعيا تبقى الاجيال تردد صدى اغنياتهما ما بقيت الاغنية العراقية، فهو ابن مدينته، الذي عاش معه الجوع والحرمان وامتزجت احلامهما وآمالهما بالوصول الى دائرة الشهرة والنجومية، فصدقت موهبتهما واصابت الهدف، لكن الاقدار عجلت رحيل الشاعرالملهم والمحفز للالحان الكبيرة، ولابد من التوقف هنا عند اغنية “اعزاز” التي اصبحت في عقد السبعينيات ترنيمة لاغتراب ونداء روحي مثقل بالحزن واللوعة يصل للقلوب التي اضطرتها الظروف للرحيل والابتعاد.. ولم تخل هذه الاغنية من الدفق العاطفي الممزوج بتربة الوطن الذي ما انفك يمارس مازوشيته بتعذيب وتغريب قاطنيه، لنقتطف هذا المقطع من اغنية”اعزاز” :
شوكهم نسمة جنوب وسيرت لاهل الشمال..

ابداع كبير وعمر قصير

ما بين ولادته في عام 1941 ورحيله عام 1983 عاش الشاعر زامل سعيد فتاح من حياته الضاجة بالابداع والعطاء الشعري 42 سنة فقط، ليفارق ميدان الاغنية والقصيدة وهو في اوج شهرته ونضجه الفني، وهذا العمر يحيلنا الى الكثير من المواهب الكبيرة التي رحلت في شبابها ومازال لديها الكثير من الابداع والعطاء لتمنحه للناس فقد سبق ان رحل الفنان ناظم الغزالي بنفس العمر الذي رحل به زامل، والغزالي يفتح ابواب نجوميته العربية ليطل منها ابداعه الغنائي، كذلك الفنان رياض احمد رحل وهو في عقده الرابع، كذلك الفنان التشكيلي جواد سليم يخذله قلبه وهو يجسد اروع ملحمة تاريخية هو نصب الحرية الذي يمثل مسيرة نضال شعب ناضل من نيل حريته ولم يمهله قلبه رؤية ما صنعته موهبته من ابداع فمات وهو مازال شابا قبل ان يكتمل مشهد الحرية ويتأمله بعيون تبرق بالطمأنينة والزهو قبل اغفاءته الاخيرة، ايضا رحل الموسيقار المذهل موزارت وهو في قمة شبابه وعنفوان عطائه ولم يذق من طعم الحياة الا 32 سنة.. وفي عمر مقارب رحل الفنان التشكيلي والشاعرابراهيم زاير وكان كتلة متوهجة بالعطاء. ظاهرة الرحيل المبكرللمواهب الكبيرة، تستدعي منا التوقف عندها ودراستها بافاضة، هؤلاء المبدعون، فضلا عن فرط احساسهم بما حولهم وعملية استرجاع الواقع على شكل ابداع فني، انهم كدودة القز تنسج من احشائها لتمنح الناس الحرير.. ويبدو ان عقولهم الكبيرة وأحلامهم المتسعة لاتستوعب اجسادهم الصغيرة. وعلى كل حال فان شاعرنا زامل رغم عمره القصير استطاع ان يقدم عطاء كبيراً تفتخر به الاغنية العراقية، ستبقى شاعريته طرية ترطب ذائقتنا ومخيلتنا بعذوبة وقعها وسحر صورها، تبقى قصائده مصفاةلأسماعنا نلوذ بها لننقي ذائقتنا عندما تتكاثر الاشنات والطحالب الغنائية.
*سامر المشعل : كاتب وناقد فني عراقي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

نرحب بمشاركاتكم معنا وتعليقاتكم مصدر سرورنا واكسير دوامنا وفرحنا